MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية" 09/06/2024
محمد الظريف
طالب باحث بسلك ماستر قانون العقار والتعمير
ملخص:
________________________________________
يحقق الذكاء الاصطناعي الكثير من المكاسب التي يمكن أن تستغل في التنمية المستدامة بجميع القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فهي تعمل على تسهيل وتبسيط الحياة العامة للأشخاص وللدولة على حد سواء ، ان ما يميز الاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي هو قدرته على الإبداع وحل المشكلات التي تطرأ بحلول ذكية عن طريق وسائل أكثر تطورا و ذكاء.
استعمال هذه الاستراتيجيات الحديثة من شأنه تحقيق الاستدامة البيئية ،غير أنه إذا كانت للذكاء الاصطناعي انعكاسات إيجابية ففي مقابل ذلك هناك مجموعة من الانعكاسات السلبية.
________________________________________
الكلمات المفتاحية : الذكاء الاصطناعي. البيئة. التنمية المستدامة.
مقدمة
أضحى الاهتمام بالبيئة وقضاياها المختلفة من الموضوعات الرئيسية والهامة التي تحتل مرتبة الصدارة على موائد أصحاب القرار السياسي، سواء في الدول المتقدمة أو النامية، خاصة بعد أن تبين بجلاء مدى التلوث الذي لحق بالبيئة وعناصرها المختلفة في كافة أرجاء المعمورة، من قبيل تلوث الموارد المائية القارية، وتلوث المحيطات وتلوث الهواء .... وإتجهت الدول نحو إعتماد جيل جديد من القوانين الضامنة لحماية البيئية وإستصلاحها.
وقد واكب المغرب على غرار باقي دول العالم ضرورة إعتماد سياسات بيئية أكثر إستدامة تراهن على المعطى البيئي، منذ بداية القرن العشرين عبر إصدار مجموعة مهمة من القوانين التي تهتم بالمحافظة على البيئة وحمايتها، تتعلق أساسا بمجال المؤسسات المصنفة ظهير 25 غشت (1914) ، والحفاظ على الغابات واستغلالها (ظهير 10 أكتوبر[1]1917)، وتنظيم أنشطة الصيد البري ظهير 21 يوليوز سنة (1923)[2]... إلخ، كما عرفت بداية القرن الواحد والعشرين إصدار نصوص قانونية وتنظيمية حديثة، غطت مجالات بيئية متنوعة كالقانون رقم 11.03[3] المتعلق بحماية واستصلاح البيئة والقانون رقم [4]12.03 المتعلق بدراسة التأثير على البيئة، والقانون رقم 13.03[5] المتعلق بمكافحة تلوث الهواء والحفاظ على جودته، إضافة إلى القانون رقم 28.00[6] المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها.
واستجابة للتوجيهات الملكية بإيلاء الاهتمام الكافي للمجال البيئي، شهد المغرب قفزة مهمة في مجال التشريع البيئي منذ سنة 2011، لعل أهمها دسترة المجال البيئي والحفاظ عليه في علاقته بالتنمية المستدامة، من خلال التنصيص عليه في دستور 2011[7] ، ثم إصدار القانون الإطار [8]99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة الذي جاء ليشكل مرجعا للسياسات البيئية ببلادنا، إضافة إلى قانون الساحل رقم 81.12[9] لحماية الساحل المغربي وتدبيره بطريقة مستدامة بعد سنوات من الفراغ التشريعي في هذا المكون الطبيعي، والقانون الجديد للماء رقم [10]36.15 لمواكبة المستجدات الدستورية والتغيرات المناخية التي يشهدها العالم، كما تعززت الترسانة القانونية البيئية في مجال استعمال الأكياس البلاستيكية بإصدار القانون رقم 77.15[11] القاضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها وتصديرها وتسويقها واستعمالها.
غير أن ما عرفه المجتمع من تطورات على جميع مناحي الحياة وظهور ما يصطلح عليه بالذكاء الاصطناعي أصبح التوجه الحديث يعتمد على هذا الأخير في شتى مناحي الحياة بما فيها البيئة، ومن هنا تأتي أهمية استخدام ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة للمساهمة في الحفاظ على البيئة وصولا إلى الاستدامة التي تسعى لتحقيقها الأمم المتحدة عبر خطة التنمية المستدامة 2030 التي تشكل ما يقارب 17 الهدف.
وقد أوضح تقرير أعده الباحث أوين مولهيرن ونشرته مؤسسة "إيرث" (earth.org ) على منصته مؤخرا كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة في المجال البيئي. وقال الباحث "إن" للذكاء الاصطناعي القدرة على تسريع الجهود العالمية لحماية البيئة والحفاظ على الموارد من خلال مراقبة تلوث الهواء وانبعاثات الطاقة، والمساعدة في تطوير شبكات النقل، ومراقبة إزالة الغابات، والتنبؤ بالظروف الجوية القاسية".
وعليه فالموضوع له أهمية كبرى باعتباره من المواضيع المستجدة التي لازالت التشريعات وكذلك مؤسسات الدولة المعنية بالحفاظ على البيئة تألف هذه الاستراتيجيات المستجدة في التعامل مع البية وعليه فالموضوع يطرح اشكال اساسي يتمثل في أي دور للذكاء الاصطناعي في تطوير وتحقيق الاستدامة البيئية؟
سنعالج ذلك وفق التصميم الاتي :
المبحث الأول : الانعكاس الإيجابي للذكاء الاصطناعي على البيئة
المبحث الثاني : الانعكاس السلبي للذكاء الاصطناعي على البيئة
المبحث الأول : الانعكاس الايجابي للذكاء الاصطناعي على البيئة:
يحقق الذكاء الاصطناعي[12] الكثير من المكاسب التي يمكن أن تستغل في التنمية المستدامة بجميع القطاعات والمجلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية[13]، فهي تعمل على تسهيل وتبسيط الحياة العامة للأشخاص وللدولة على حد سواء ، ان ما يميز الاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي هو قدرته على الابداع وحل المشكلات التي تطرأ بحلول ذكية عن طريق وسائل أكثر تطورا و ذكاء و تميزت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بحل المشكلات المعروضة في غياب المعلومة الكاملة القدرة على التفكير والادراك القدرة على استخدام الخبرات القدرة على الاستجابة السريعة للمواقف والظروف الجديدة وعلى هذا الأساس فان للذكاء الاصطناعي أدوار متعدد من خلالها يتم التسريع في تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة، ذلك ما سنقف عنده من خلال إبراز دور الذكاء الاصطناعي في تحقيق الأمن الغذائي ثم دور الذكاء الاصطناعي في تنزيل المدينة البيئية. [14]
المطلب الأول : دور الذكاء الاصطناعي في تحقيق الأمن الغذائي
مجال التنمية الزراعية المستدامة من المجالات التي شهدت تطورات هائلة في الفترة المعاصرة، مدفوعة بتشابك قطاع الزراعة مع كافة جوانب الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، وبالتالي يمكن تحسين الإنتاجية الزراعية من خلال تحقيق العديد من تلك الأهداف. وتحقيقا لذلك شهد العالم تطويرا لأساليب العملية الزراعية بجعلها أكثر اعتماد على التقنيات التكنولوجية الحديثة فيما يعرف بالزراعة الذكية لرفع قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية وتلبية نمو الطلب على الغذاء لسد احتياجات النمو السكاني.
الفقرة الأولى : استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة
إن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الزراعة من شأنه أن ينزل ما يعرف بالزراعة الذكية [15] ، ذلك على مستوى مجموعة من المستويات :
من خلال تجميع البيانات فالبيانات الدقيقة والشاملة التي تجمعها تقنيات الذكاء الاصطناعي حول انتشار المزارع أو نوعية المحاصيل ومتابعة تطورها وإعطاء إنذار مبكر عن المشكلات التي قد تعترض نموها، من الممكن أن تسهم في تجاوز العقبات والمشكلات الطارئة في الوقت المناسب، كما أنه عبر تطويع تكنولوجيا إنترنت الأشياء" (IoT) يتم تشغيل المعدات الزراعية كأجهزة الري ورش المبيدات وغيرها، والتحكم فيها وإرسال واستقبال البيانات منها عن طريق الإنترنت، وهو ما ستنعكس آثاره على تحسين كمية وجودة المحاصيل، وبالتالي رفع الإنتاجية الزراعية.
وكذلك تخفيض التكاليف الزراعية إذ توفر قاعدة من المعلومات حول النظم الزراعية الأقل استنزافا للموارد المالية والطبيعية مثل الأراضي والمياه والتربة، من خلال الاعتماد على تكنولوجيا التحكم الذاتي في تحديد احتياجات النبات من حرارة ورطوبة وري وأسمدة، وبالتالي توسيع فرص زيادة إنتاجية الزراعة وقدرتها على الصمود وتوافر أفضل أسواق التوزيع بما يخفض من تكلفة المستلزمات الزراعية وتعظيم الأرباح للمزارعين.
ثم تحسين إدارة الموارد المائية عبر تعزيز استخدام تقنيات الري الحديثة الموفرة لاستهلاك المياه.
الفقرة الثانية : استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاربة الجوع:
يترك الذكاء الاصطناعي بصماته على سلاسل الإنتاج الغذائي والزراعي. فقد أصبحت هذه التكنولوجيا الرائدة مستخدمة بالفعل في استحداث أصناف جديدة من الأرز المقاوم لتغير المناخ وتوفير بيانات عن التربة؛ وتوجيه الطائرات المسيرة التي تقوم بالرش الدقيق للأسمدة والمبيدات؛ وفرز المحاصيل وفحصها وتصنيفها. يقول تشانينغ أرندت، من المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية، وهي شراكة بحثية عالمية، إن "الزراعة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي توفر إمكانات هائلة لتعزيز الأمن الغذائي والحد من الجوع أو حتى القضاء عليه في العديد من مناطق العالم".[16]
وتقول بوكمان إن الهدف يكمن في تطوير و اعتماد تكنولوجيا جديدة على نطاق واسع تكون ميسورة التكلفة يمكن الاستفادة منها "حتى يتمكن المزارعون من إطعام العالم، فمن المفترض أن يزيد عدد سكان العالم بنحو ملياري نسمة بحلول عام 2050، مما يعني أننا سنحتاج إلى زراعة غذاء أكثر بنسبة 70 في المائة مقارنة بالوضع الراهن. وسوف تساعدنا التكنولوجيا المتطورة في عمل ذلك"[17].
أما على المستوى الوطني فقد بدأ الإهتمام بهذه التقنيات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي حيث حضَر الذكاء الاصطناعي في قلب أشغال وأنشطة الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب (سيام – SIAM)، عبر ندوة نظمَها “القطب الرقمي” التابع لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بحضور ممثلين عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ووكالة التنمية الفلاحية، فضلا عن مسؤولين في الوزارة الوصية.[18]
ومن أجل إيجاد حلول بديلة لمواجهة شح المياه والحفاظ على الأمن الغذائي، قرر عدد من الزراعيين المغاربة البحث عن زراعات بديلة تسهم في ترشيد مياه الري، من ضمنها الزراعة الذكية الصديقة للبيئة. وحسب خبراء في الزراعة، أكدوا أن "الفلاحة 4.0" تعتمد على تقنيات وحلول ذكية تستهدف تطوير الأمن الغذائي ومواجهة التقلبات المناخية، وتعمل هذه التقنيات بواسطة أجهزة بشبكة الإنترنت، وشدد الوزير المغربي على ضرورة التحول الرقمي بالنسبة لجميع فاعلي سلسلة القيمة الفلاحية، علما بأن ورش الرقمنة في المغرب، تهدف إلى ربط مليوني فلاح بالخدمات الإلكترونية الفلاحية بحلول 2030. [
19]
المطلب الثاني : دور الذكاء الاصطناعي في تنزيل المدينة البيئية[20]
المدينة البيئية هي المدينة التي تستجيب لمبادئ التنمية المستدامة كما هي محددة في أهداف ميثاق الأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة 2030 [21]، وبالاساس الهدف الحادي عشر المعنون ب" مدن ومجتمعات محلية مستدامة" بحيث مقاصد هذا الهدف تتمثل في توفير سبل استفادة الجميع من مساحات خضراء وأماكن عامة آمنة وشاملة للجميع ويمكن الوصول إليها ، ولا سيما بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، بحلول عام 2030 ، وهو ما يمكن تنزيله عن طريق استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التنقيب و رصد الكوارث الطبيعية.
الفقرة الأولى : استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التنقيب
توسعت استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي AI في المجال الصناعي والعملي مؤخرا، ولم تتوقف على حد الخدمات اللوجستية والتسويق والرعاية الصحية والتكنولوجيا الزراعية وتعداه لصناعة التعدين.
على الرغم من أن صناعة التعدين من بين المجالات الأكثر قدما واعتمادا على البشر، لكن دائما ما يوجد مكان لاستخدام التكنولوجيا القائمة على تقنية الذكاء الاصطناعي AI والتي تستطيع التقليل من المخاطر المحيطة بالعمال في مجال الحفر والتنقيب عن المعادن، لقدرتها على التنقيب باختراق الروبوتات للكهوف المظلمة، والعمل بشكل مثال في الظروف المناخية والجغرافية القاسية والأعماق.
ويمكن لتقنية الذكاء الاصطناعي Al المستخدمة في صناعة التعدين توفير الكثير من الوقت والمال من خلال الدقة المتناهية في تحديد أفضل المواقع للتنقيب من حيث توافر المعادن، وهو ما يزيد من هامش الربح المادي ويقلل من حدوث أي خسائر بشرية أو مادية والتي دائما ما ترافق عمليات التنقيب الاستكشافية.[22]
بحيث ان الذكاء الاصطناعي عن طريق استخدام أجهزة الاستشعار لمسح باطن الأرض سيساهم في جعل عمليات الحفر أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وبالتالي تقليل الأضرار البيئية التي تنجم عنها.[23] وقد ظهر مؤخرا عدد من التقنيات الحديثة في صناعة النفط، مثل الشاحنات ذاتية القيادة ومنصات الحفر الذاتي وأجهزة مراقبة ضغط السوائل، وربوتات متخصصة في صيانة الأنابيب.[24]
الفقرة الثانية : استعمال الذكاء الاصطناعي لتجنب مخاطر الحريق
في خضم التحديات المستمرة التي تواجهها البيئة والإنسانية جراء حرائق الغابات تمثل تقنيات الذكاء الصناعي الابتكارية والمتطورة الأمل في مواجهة هذه الكوارث الطبيعية. بحيث تجهز الكاميرات المدعومة بالذكاء الصناعي بأجهزة استشعار حرارية تُمكّنها من رصد النقاط الساخنة المرتبطة بالحرائق، بفضل أنظمة التعلم الآلي، يمكن للذكاء الصناعي تحليل البيانات الحرارية وتحديد أماكن اندلاع الحرائق حتى في الظروف المناخية الصعبة. [25]
أما على المستوى الوطني فقد صرح[26] مدير تدبير المخاطر المناخية الغابوية والبيئية والتشجير بالوكالة الوطنية للمياه والغابات، إن “هذا الموسم يمتاز بالاستعانة بتكنولوجيا متطورة لتدبير خطر نشوب الحرائق”. كما تم التوضيح أن “المملكة تستعين هذه السنة بتكنولوجيا أمريكية، من خلال تعزيز دور الذكاء الاصطناعي عبر نظام معلوماتي يهم أساسا تحسين خرائط انتشار الحرائق”، موردا أن “نسبة الرصد باستخدام هذه التكنولوجيا تصل إلى 80 بالمائة”[27]
المبحث الثاني : الانعكاس السلبي للذكاء الاصطناعي على البيئة
يعد الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيات الحديثة التي تعتمد على الحوسبة والتعلم الآلي لتحقيق أهداف محددة. وبالرغم من الفوائد الكبيرة التي يمكن أن يجلبها الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، إلا أن له تأثيرات سلبية على البيئة.
ولعل أحد أبرز التأثيرات السلبية للذكاء الاصطناعي على البيئة هو استهلاك كبير للطاقة. فالأنظمة الحاسوبية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة لتشغيلها وتشغيل الخوارزميات المعقدة التي تعتمدها. وهذا يؤدي إلى زيادة استهلاك الكهرباء وبالتالي زيادة انبعاث الغازات الدفيئة. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض الصناعات إلى زيادة في إنتاج النفايات والتلوث. فمثلاً، في مجال التصنيع، يمكن أن يؤدي تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي لزيادة في استهلاك الموارد وإنتاج المخلفات.
إلى أن النقطة التي سوف سنقف عنها هي أن الذكاء الاصطناعي أصبح ينافس الإنسان في استهلاك الماء، علاوة على ذلك استعمال الذكاء الاصطناعي في صناعة الأسلحة التي تؤثر على البيئة.
المطلب الأول : الذكاء الاصطناعي و تبذير الماء
بفضل تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، من الممكن أن تصبح إجراءات الرقابة على محطات معالجة المياه أرخص وأسهل، مما يساعد بدوره في حماية الصحة العامة[28]. غير أن الذكاء الاصطناعي هو بدوره يستهلك كميات كبيرة من الماء الأمر الذي يساهم في تدبير الماء.
الفقرة الأولى : الذكاء الإصطناعي منافس للإنسان في استهلاك الماء
كشفت دراسة أجرتها جامعة كولورادو الأميركية أن "تشات جي بي تي" يستخدم نصف ليتر من الماء كي يجري محادثة تتطلب إجابة على أسئلة بمعدل من عشرين إلى خمسين سؤالًا.
وأوضحت الدراسة أن أكثر من 100 مليون شخص يستخدمون تلك المحادثات. وعليه يمكن تخيّل حجم المياه المُستخدم خلال إجراء تلك العمليات وهو ما سيفاقم أزمة شح المياه في العالم.[29]
وقال الباحث شاولي رين من جامعة كاليفورنيا، في ورقة بحثية أعدها، إن هذه الكمية قد لا تبدو كبيرة، ولكن مع الاستخدام العالمي لروبوت ChatGPT وغيره أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن استهلاك المياه يكون هائلًا.
وقال رين في تصريحات أدلى بها لوكالة أسوشييتد برس إن نمو الاستهلاك المائي في تقرير مايكروسوفت البيئي لعام 2022 الماضي يرجع بشكل أساسي إلى تطويرها أنظمة الذكاء الاصطناعي.[30]
الفقرة الثانية : صنع ذكاء اصطناعي أقل عطشا
صنع ذكاء اصطناعي أقل عطشا هكذا جاء عنوان أحد الدراسات الأمريكية في الولايات المتحدة التي كشفت بيانات أن تدريب ChatGPT بإصداره الثالث الذي يَجري في مركز بيانات مايكروسوفت في الولايات المتحدة في تكساس يستهلك ما يقارِبُ 700 ألف لتر من المياه يوميا، يعني أنه يشرب ثلث مسبح أولمبي تقريبا.[31]
لكن ظهر أنه يمكن إنقاذ البيئة من خلال استبدال الطاقة التي تستخدمها تلك الأجهزة إلى طاقة متجددة. هذا بالإضافة إلى ضرورة تطوير ورفع كفاءة الأنظمة المساعدة على تبريد تلك الأجهزة في أثناء التعامل مع "تشات جي بي تي"، وبالتالي الحد من الاستهلاك المهول لاستهلاك الماء وتوجيه الذكاء الاصطناعي نحو الحفاظ على الماء وتحقيق الأمن المائي بدل استهلاكه.
المطلب الثاني : الذكاء الاصطناعي وصناعة الأسلحة
أصبح الذكاء الإصطناعي يجد نفسه في مجالات متعددة من بينها الاستعمال العسكري ،بحيث توجد إمكانية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي،[32] غير أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات قد يكون انعكاسه سلبي على البيئة خاصة في مجال صناعة الأسلحة.
الفقرة الأولى : استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأسلحة[33] النووية
التطور التكنولوجي إذا كانت له العديد من المزايا فقد يكون نقمة على البشرية تحسن استغلاله وتوجيهه نحو الحفاظ على البيئة وتحقيق الاستقرار. [34]وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يوليو 2023 خطر الذكاء الاصطناعي بأنه أشبه بخطر الحرب النووية، داعياً لإنشاء هيئة تابعة للأمم المتحدة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.[35]
بحيث أن الذكاء الاصطناعي اليوم أصبح يتحكم في بعض أنظمة استعمال الأسلحة النووية بحيث يجب أن تكون هناك آليات متابعة قوية لمراقبة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتحكم في الأسلحة النووية، والتي تشمل عمليات التحقق باستمرار لضمان تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ضمن الحدود المتفق عليها وعدم الانحراف عن الإرشادات الأخلاقية والاستراتيجية المقصودة.[36]
وقد حذر رئيس المجلس الاستشارى العلمى للقوات الجوية الأمريكية ويرنر داهم، أنه من المرجح خلال السنوات القليلة المقبلة، أن تكون الأسلحة النووية المستقبلية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، جزءا من بنية رقمية معقدة ومترابطة، ومن المرجح أن تظهر «مستوى معينا من الاتصال ببقية نظام القتال ، حينما يحدث ذلك فإلى أي مدى ستكون الأسلحة النووية جديرة بالثقة إذا تم ربطها عبر شبكات يمكن استهدافها بهجمات سيبرانية.[37]
الفقرة الثانية : استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأسلحة البيولوجية
الخوف من الذكاء الاصطناعي المتطور يكمن في إمكانية استخدامه لإنتاج فايروسات خطيرة وأسلحة بيولوجية أخرى في المستقبل القريب[38]، بحيث شهدت الفترة الأخيرة توسعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات المختلفة بداية من الأبحاث الطبية؛ مروراً بإدارة التفاعلات الكيميائية والتنبؤات؛ وصولاً إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية والمادية؛ بل إن داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» حذر من قدرة الذكاء الاصطناعي على صنع أسلحة بيولوجية[39] في المستقبل القريب.[40]
بحيث لا تقتصر الوسائل العسكرية والأسلحة في جانبها الآلي والناري بل تشمل الأسلحة البيولوجية التي استعملت من قبل بعض الجيوش والدول في حروب سابقة، وبوجود الذكاء الاصطناعي وقدراته الفائقة بوجود أنظمة حاسوبية ورقمية متقدمة مثل الحوسبة الكمومية التي تضاعف من قدرات الذكاء الاصطناعي التحليلية فإن القدرة والسرعة على ابتكار أسلحة بيولوجية خطيرة ستكون عالية مثل استحداث أوبئة فتّاكة سريعة الانتشار[41]، وقد أعلن فريق بحثي أوروبي أنه يمكن للذكاء الإصطناعي، إذا استخدم عن عمد، أن يصنع عددا كبيرا من الأسلحة البيولوجية والكيميائية الجديدة تمامًا بسهولة كبيرة، والتي يمكن بعد العمل على تطويرها أن تساعد في تغيير خارطة الحرب على هذا الكوكب، الأمر الذي أثار قلق العلماء.[42]
خاتمة
صفوة القول نصل إلى فكرة مفادها أن الذكاء الإصطناعي أصبح ضرورة مجتمعية من شأن توظيفه بالشكل السليم تحقيق مجموعة من الانعكاسات الإيجابية على مختلف المجالات من بينها البيئة.
وانسجاما مع خطة التنمية المستدامة 2030 التي وضعتها الأمم المتحدة فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من شأنه التسريع في تنزيل هذه الأهداف، غير هذا الإعتماد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تبعات الإنعكاس السلبي للذكاء الاصطناعي كما بينا سواء على مستوى الاستهلاك الكبير للطاقة وكذلك الماء بحيث إذا كان الذكاء الاصطناعي هو الحل فسيكون عندها جزء من المشكل.
ومن تم ندعو المؤسسات المعنية بتدبير المجال البيئي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في السياسات العمومية المعنية بالبيئة، والانفتاح على التجارب المقارنة من أجل الوقوف على بعض الأمثلة والسير في النهج الصحيح لتنزيلها.
كما ندعو المشرع المغربي على غرار بعض التشريعات المقارنة للتدخل من أجل وضع إطار قانوني للذكاء الإصطناعي ،خاصة في مجال المسؤولية على اعتبار أن القواعد الكلاسيكية في ظهير الالتزامات والعقود[43] غير قادرة على استيعاب التطورات التي عرفها المجال الإلكتروني بالأساس، الأمر الذي من شأنه أن يجعل مهمة القضاء في التصدي لمثل هذه الممارسات فيه تكليف كبير.
انتهى بحمد الله وتوفيقه
عادل عبد النور بن عبد النور، مدخل إلى عالم الذكاء الاصطناعي، المملكة العربية السعودية، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، ص: 7
كما أن هناك من عرفه على أنه" آلـة مبرمجـة بالكمبيوتـر تسـتخدم خوارزميات وإجـراءات محددة لأداء مهمة أو عمـل معيـن، ويحصـل هـذا الجهـاز المبرمـج علـى مدخلات تلقائية ويطبق نفس الشيء وفقا للبرنامج"
Margaret A. Boden, Artificial Intelligence: A Very Short Introduction, Oxford University Press, 2018,P:5
عمار راشد علاي / محمد نور الدين، استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالجريمة والوقاية منها، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية ،المجلد 20،العدد 4 ،ص: 371
أسامة سلام، الذكاء الاصطناعي وقضايا المياه والمناخ، ارتقاء للنشر الدولي والتوزيع ،2023، ص: 15
عبد الله بدوى، التحول الرقمي للعمران مدخل للتعامل مع العمران المستقبلي، مجلة جمعية المهندسين المصرية، العدد الأول،2014 ،ص: 27
سلسلة تقارير معلوماتية، الزراعة الذكية.. ودعم الأمن الغذائي في ظل تغيرات المناخ، العدد 17 - يوليو 2023، ص: 8
أنظر، محمد محى الدين محمود، تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة ودورها في تأمين مصادر الغذاء لمواجهة أزمة التغيرات المناخية ،ص:2
بلفار شوقي، استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة، كتاب المؤتمر الدولي الأول لمستجدات التنمية المستدامة المنظم من 5 إلى 10 ديسمبر 2020 ،ص: 7
أنظر أيضا ،عبير حسام الدين اللحام، المدينة الذكية : من قوة الحداثة إلى القوة الذكية ، مجلة العمارة والتخطيط ،الرياض 2021، ص:405
خالد جواد سلمان، مستقبل المدن الذكية وآثارها البيئية، مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية،الجغرافيا ودورها في اغناء المعرفة العلمية والتربوية، ص: 114
عائشة بن النوي، المدن الذكية : إنجازات وتجارب عالمية وعربية، مجلة التمكين الاجتماعي ،العدد 03، 2021، ص: 119
زينب عبد اللطيف /خالد عبد اللطيف، المسؤولية الدولية المشتركة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال العسكرية في ظل قواعد القانون الدولي ، التحديات والآفاق القانونية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي ،ص: 737